دعما لثورة الثقافية في الوطن العربي
لعنة الحمير
روعة محسن الدندن/ سوريا
طالما اجتمع كبار السن ليقصوا علينا قصصا من التراث تارة، وقصصا واقعية تارة أخرى ليعظوننا من خلال تلك القصص. في سهرة ريفية جميلة حيث النسمات التي تبدو خجلى وهي تداعب وجنات الورد وجباه الأشجار، وكأنها تلاعب أوراقها لكي تتراقص لحضورها الذي يشبه حبو الأطفال وأصوات الضيوف يعلو وهم يتسامرون والضحكات التي تمنحك الشعور بالألفة بين الجميع مع شرب القهوة المُرة والتمتع بمذاقها العربي الأصيل، يسود الصمت ولا يُسمع إلا صوت الراوي الذي يبدأ بقصته الذي يصل صوته لخارج الغرفة ويسمع الحاضرون قصصهم..
كان دور مختار القرية ليبدأ هذه السهرة وكان رجلاً عاقلاً متواضعاً ومحباً لأهل قريته، ويساعد الجميع.. كما كان يتمتع بثقافة غربية عالية ومطلع على الأدب العالمي، ومحبوباً من قبل الجميع
قال المختار ضاحكاً: سأروي لكم اليوم قصة الوالي الملعون.
فقاطعه جاره فرحان: كلنا آذان صاغية يا مختارنا العزيز والحكيم.
وقدم للمختار فنجاناً من القهوة وقال له: خذ هذا الفنجان لقد ملأته لك ليكون عربون محبة لقصتك وتستمتع وأنت تحكيها لنا.
فأخذ المختار فنجان القهوة ورشف منه أول رشفة وقال: يُحكى أن مدينة بعيدة ابتليت بداء عجيب كان يصيب الصغار ليبقوا ذو أحجام صغيرة، ويتوقف نموهم الجسدي والعقلي أيضا وقد أصيب ابن الوالي به وعجز الأطباء عن علاجه، وظل الأمير الصغير مريضاً.
مرت السنين وقد مرض الوالي أيضا وخاف أن يضيع ملكه ويذهب الحكم لغير ابنه؛ فدعى حاشيته ليستشيرهم في الأمر لعلهم يجدون حلاً له.
تحدث الوالي وأخبرهم عمَّ يفكر فيه ويقلقه ويخشاه، فقال لهم: أيها الأمناء ويا من منحتهم ثقتي وأعطيتهم المال والجاه، وأجلستهم على مائدتي، وما بخلتُ عليهم يوما، بل جعلتهم الأولياء على شؤون رعيتي .أحتاج اليوم مساعدتكم من أجل أن ينتقل ملكي لولدي دون اعتراض من رعيتي. وأنتم تعلمون أن قانون البلاد لا يسمح لابني بتولي الأمر من بعدي، وتعلمون مرضه وعجز الأطباء عن إيجاد الدواء لشفائه، وهو الآن لا يملك من أمره شيئاً..و أخشى عليه وعلى مملكتي بعد مماتي.
ساد الصمت قاعة المُلك والجميع ينظرون للملك الذي أوشك على الموت، ويشفقون لحاله، بينما يطالع وزيره وجوه الحاشية الذين بدوا كالأصنام وأنهم لا حل عندهم له، وما عليه سوى أن ينال رضى الوالي ويكون الأب للأمير الغير ويتولى تسيير أمور البلاد بأمر من الوالي الجديد .
ضحك الوزير بمكر ودهاء؛ فقد خطرت بباله فكرة عبقرية وطلب أن يتحدث مع الوالي بعيداً عن الجميع ليكون ما سيقوله سرا بينهما..
خاطب الوزير الوالي: مولاي الوالي هل لي بالحديث معك وحدنا ؟!
شعر الوالي بأن وزيره قد وجد حلاً لمشكلته وسيساعده .فأشار بالخروج للجميع ثم قال: ماذا لديك وزيرنا الحكيم الأمين؟
قال الوزير: اعتذر من مولاي الوالي على طلبي لأن هذا الأمر جد خطير، وعلينا أن نكتم السر عن الجميع، حتى يتنعم ولدكم دون أن يتآمر عليه أحد أو يبوح أحدهم بالسر؛ فيصيب البلاد فوضى بسبب طمع بعض ضعاف النفوس، أو ينالوا من ملككم أيها الوالي، لذا فيجب أن يكون هناك وكيلاً عن الأمير لا يعرفه أحد، ويمكنه من أن يدير أمور البلاد ببراعة،
وكما تعلم يا مولاي أن ابنكم مريض ويحتاج للرعاية أيضاً.
أعجب الوالي بفصاحة وفطنة الوزير وطلب منه أن يكمل الحديث والنصح فقال الوزير :هناك عجوز يسكن الكهوف ويقال عنه أنه يعرف بالسحر، لعلنا نجد عنده الدواء لأميري، وبعدها نقتله، ليبقى السر بيننا وأنتم تعلمون أنني خادمكم الأمين طيلة هذه السنين.
توجه الوالي والوزير في صباح اليوم التالي إلى الكهف المطلوب، واجتمعوا بالساحر العجوز، وقص عليه الوزير ما يحتاجه الوالي وأنه سينال من الخير الكثير وأولها أنه سيأمر بمنحه قصرا قريبا من الوالي ويكون عنده من المقربين أيضا، وله كل ما يطلب من الخدم والجاه .
فنظر الساحر للوالي والوزير وقال لهما: الأمر بسيط وحله موجود ولا يحتاج للكثير، وكل ما عليكما فعله هو الحصول على أمخاخ الحمير، على أن توزعونها طعاماً على الرعية بكل محبة وود كأنها صدقات قبل الإعلان، على أن يكون هذا قبيل تنصيب ولي عهدكم الذي سيرتدي أفخم الثياب، ويسبقه موكب كبير للترحيب بقدومه، وكل من يقول من الرعية أن الأمير مازال مريض يصدر الأمر بقتله في الحال بتهمة لعنة الأمير، فهذا سيكشف كل من لم يأكل من خيركم الذي وزعتموه على الرعية.. وهكذا ينتهي موضوع من يخالفكم في عملكم الميمون.. لكن يجب الانتباه.
الوالي والوزير معاً: الانتباه لماذا أيها الساحر؟!
قال الساحر: الانتباه إلى كل من أخبرته من حاشيتك عليك أن تقضي عليهم حفاظاً على سركم، على أن تشيعوا بين الناس وتذيع أنهم كانوا يسرقون أموال الرعية، وعليك أن تولي من أطعمته من لحم الحمير المناصب بالدولة، فيصبحون طوع أمرك ولا يخالفونك في الفعل والقول، وهم أسياد القطيع ومنهم أيضاً.
أعجب الوالي بما قاله الساحر العجوز ودعاه ليكون في قصره من المخلصين، ووزيره سينفذ كل مايطلبه في الحال.
على الفور اشترى الوزير قطيعاً من الحمير كما طلب الساحر العجوز، وأصدر الوالي فرماناً بموعد تنصيب ابنه الأمير خلفاً له على البلاد والعباد، ونادى المنادي معلناً بأن الوالي سيقوم بتوزيع اللحوم والطعام الوفير على رعيته شكراً لله على شفاء الأمير، ثم دعا الوالي حاشيته الذين يعرفون حقيقة الموضوع مثلما دعا السياف وأمره بقطع رؤوسهم، حفاظاً على سره ببيره الذي ستؤول إليه جثثهم، وقال الوالي وهو يودعهم بصوت عالٍ: إلى جهنم وبئس المصير يا من سرقتم أموال رعيتي لتنفقونها على كروشكم، اليوم ننصفهم وننتقم من اللصوص الذين خانوا الوطن والشعب، لنعيد العدل لشعب المقهور، ونأتي بمن يطيعنا ويحفظ البلاد والعباد.
لم تنفع توسلاتهم للوالي وقضى عليهم أجمعين من أجل الأمير الصغير .وأجلس على الكراسي من تناولوا لحم الحمير، وكلما سألهم طأطأوا الرؤوس له ليطمئن إلى أنهم صاروا قطيعاً له.
ساد خير الوالي وعم البلاد والعباد سبع ليالٍ وثمانية أيام، فأطعم الكبير والصغير ووعدهم بالازدهار القريب وأنهم سيعيشون مثل الأمراء بعد الاحتفالات بتنصيب ولي عهده الذي أكرمه الله بالشفاء.
ولما حان وقت التتويج تم الكشف عمن خان الوالي ولم يأكل من لحم الحمير، ولم يلتزموا بالسمع والطاعة له ولابنه العليل. وتقدم الموكب العظيم الذي جاء بالأمير ليجلس على عرش المملكة والكل يهلل ويصفق ويبارك لولي عهدهم الجديد.
شق هذا الضجيج صراخ الحطاب الذي كان غائبا منذ أيام؛ فقد كان تائها في الطريق ولم يأكل مما منحه الوالي، وكان يقول: يا قوم ألا تبصرون أنه ولد صغير وليس شاباً ليكون أميراً علينا، وهذا يخالف كل النصوص، فأنقض عليه الحراس وألقوه في البئر مع من سبقه ودفنوه حياً، وأطلق أهل البلدة على هذا البئر "بئر الخونة"، وأن كل من سيقترب منه يقتل في الحال.
تم تتويج الوالي الصغير والوزير أصبح الموكل بشؤون البلاد بتكليف من الوالي يضمن حقه في كل مايخص القطيع، ومات الساحر العجوز بسم أفعى كانت في فراشه، والناس بسحره يتلذذون الذل والطاعة لأعوام، غير أن الوزير قد تمكن بعد موت الوالي من المملكة، وأخذ يضع خطط الخلاص من الأمير الصغير سريعاً.
خرج الوزير في رحلة صيد وأمر بعض رجاله بإشعال القصر، وهكذا تم التخلص من الأمير، وظن أن المملكة كلها قد دانت له بالطاعة، تفاجىء بأن ليس في حاشيته من يستطيع أن يسديه النصح أو يقدم له المشورة الصحيحة.
فصاح غاضباً: يا لحظي العاثر الذي قادني لكي أكون ملكاً على بلدة أصابتها لعنة الحمير..
بينما تجمع في الغابات من حوله عدداً من أبناء المملكة الذين لم يأكلوا من أمخاخ الحمير، حيث كانوا من الفارين من غضب الوالي وظلمه.. ينتظرون لحظة استرداد مملكتهم وشعبهم.. بعد أن تزول هذه اللعنة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق